نذير حمدان
166
حكمة القرآن والحضارة
نماذج من الحكمة والحكماء عموما فالحكمة وإن كانت مصطلحا قرآنيا حديثيا غزير المادة فقد تأثر بها الساسة والقضاة والمربون والدعاة والعلماء والأدباء المسلمون وغيرهم ، فقد كانت دافعا لهم إلى البحث عن حكم أخرى خارجة عن القرآن والسنة سواء كانت من مصادر علمية عبر التاريخ ، أو من مصادر حية مجاورة ، وبذلك نمت الحكمة الإسلامية أو حكمة المسلمين وتناولت جميع مسائل الوجود وبخاصة النفس وسعادتها والسمو بها إلى الروحانيات ، وأدب الحوار ، والنظر في الفكر الحكيم وطرق السعادة وكرامة النفس وأهمية العلم واختيار مجالسه ، وسلامة العلاقات مع الآخرين إلى جانب أهمية الحكمة في التربية وأساليبها ومواصفات الحكماء . - وتقدمت مصنفات تراجم الحكماء والفلاسفة من علماء مسلمين تناولوا فيها أعلاما من اليونان والهند والرومان والمسلمين وغير المسلمين مثل : طبقات الأطباء والحكماء لابن جلجل ، ومختار الحكم ومحاسن الكلم لابن فاتك ، والحكمة الخالدة : لابن مسكويه ، وعيون الأنباء من تاريخ الأطباء لابن أبي أصيبعة . . . ويذكر محمد كرد علي حكماء تأثروا بالثقافة الإسلامية وبقوا على مللهم فهو يقول في مقدمة كتاب : تاريخ حكماء الإسلام للبيهقي ، وهو من أوعب مصنفات الحكمة والطب والفلسفة وتراجم أعلامها ومغموريها : إن التعصب كان بعيدا جدا عن الحكماء ، وعهدنا بأكثر المؤلفين في تلك القرون يترجمون لأهل الإسلام كما يترجمون لمن لم يمتلّ ملته بدون غرض ولا هوى ، وقد ترجم المؤلف لنحو عشرين منهم من أصل 115 حكيما وأعطاهم حقهم غير منقوص عادّا لهم جزءا من أجزاء العالم الإسلامي . . . فإذا كانت خراسان خصت برجال الحكمة فإن الأقطار السائرة أخرجت رجالا في فروع العلم غير قليلة . . . وصور ( البيهقي ) لنا كيف كانت تعج نيسابور وأصفهان وجرجان وزنجان وشيراز ومرو والري وبلخ وغزنة بالحكماء . . . وأتانا المؤلف ببرهان آخر على أن العربية كانت في فارس كما هي في كل بلد دخله الإسلام لغة الدين والعلم والدولة ، وأنه قلّ في هؤلاء الحكماء من كتب كتبه بغير العربية ، وندر فيهم من ألفوا باللغتين العربية والفارسية .